بسم الله الرّحمن الرّحيم
الشّيخ محمّد بن صالح العثيمين: تثبت صحابة مدّعي الصّحبة بشهادته لنفسه لأنّ الصّحابة كلّهم عدول!
حذّر الشّيخ محمّد بن صالح العثيمين في شرحه على العقيدة السّفارينيّة من علم المنطق، ودعا إلى عدم تعلّمه لأنّه مضيعة للوقت، وأنّه ما أدخل البلاء على المسلمين إلّا علم المنطق، قال: (هذه مسائل مبنية على علم المنطق، والمؤلف رحمه الله أتى بها ملجأ إليها، وإلا فنحن في غنى عن المنطق فالصحابة رضي الله عنهم لم يدرسوا المنطق، ولا عرفوا المنطق، والتابعون كذلك.
والمنطق حدث أخيراً، ولا سيما بعد افتتاح بلاد الفرس والرومان حيث انتشرت كتب الفلاسفة، ولا سيما أنها دعمت بعمل من الخلافة كما فعل المأمون، الذي قال عنه شيخ الإسلام رحمه الله: لا اعتقد أن الله يغفل للمأمون عما صنع بهذه الأمة، أو كلمة نحوها والعياذ بالله، فقد جر الناس إلى سوء، ودعاهم إلى ضلاله، والله حسيبه.
لكن علم المنطق كتب فيه العلماء رحمهم الله وحذروا منه، وممن كتب في الرد على المنطق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فقد كتب في الرد عليهم كتابين أحدهما مطول والآخر مختصر؛ المطول: الرد على المنطقيين، والمختصر: نقض المنطق، وهذا الأخير أحسن لطالب العلم؛ لأنه أوضح وأحسن ترتيباً، وقد ذكر رحمه الله في مقدمة كتاب الرد على المنطقيين قال: (إن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد)، فالبليد يبقى ساعات ليحل سطراً مما كتب فيه، والذكي لا يحتاج إليه، وإذا كان الذكي لا يحتاج إليه والبليد لا ينتفع به، إذاً فإن دراسته مضيعة وقت.
وهذا الكلام من شيخ الإسلام يدل على أن أدنى أحواله الكراهة، والعلماء رحمهم الله اختلفوا فيه؛ فمنهم من حرمه ومنهم من قال: ينبغي أن يعلم، ومنهم من فصل، فقال: الإنسان الذي عنده منعة لا يؤثر على عقيدته فإنه ينبغي أن يتعلمه ليحاج به قومه، أي قوم المنطق، ومن لم يكن كذلك فلا يتعلمه لأنه ضلال.
والصحيح أنه لا يتعلمه مطلقاً؛ لأنه مضيعة وقت، لكن إذا اضطر إلى شيء منه فليراجع ما اضطر إليه فقط، ليكون تعلمه إياه كأكل الميتة، يحل للضرورة وبقدر الضرورة، فإذا كان هناك اضطرار أخذ من علم المنطق ما يضطر إليه فقط، أما أن يتوسع ويضيع وقته فيه فلا.
وذلك لأنه ما ادخل علم المنطق على المسلمين إلا البلاء، حتى أوصلهم إلى أن يقولوا على الله ما لا يعلمون، وينكروا على الله ما وصف به نفسه، فالمسألة خطيرة، والله عز وجل نزل الكتاب تبياناً لكل شيء، لا يحتاج الناس إلى شيء بعد كتاب الله، وأمر عند التنازع أن يرد إلى الكتاب والسنة، قال تعالى (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) [النساء: الآية59]).
المصدر: شرح العقيدة السفارينيّة، ص715-716.
ولذلك ترى أنّ السّلفيّة أكثر النّاس جهلاً وبلادةً في الأذهان والعقول، فهم يرتكبون المغالطات المنطقيّة في أكثر استدلالاتهم، ويتعامون عن صحّة الأقيسة والبراهين، ومن النّماذج الطّريفة في المقام ما وقع لصاحب هذا الكلام وهو الشّيخ العثيمين، حيث قال إنّ مدّعي صُحبة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا قال: أنا صحابي، فتثبت صحبته بشهادته؛ لأنّ الصّحابة كلّهم عدول، وهذا ما يسمّيه المناطقة (المصادرة على المطلوب)؛ وذلك بجعل إحدى مقدّمات الاستدلال نفس النّتيجة واقعاً.
قال الشّيخ العثيمين: («وتثبت صحبته بخبر غيره عنه، أو خبره عن نفسه» بخبر غيره عنه كما يرد في الأحاديث كثيراً، عن فلان ابن فلان، وكان ممن بايع تحت الشّجرة، إذا قال: وكان ممن بايع تحت الشّجرة، فيعني أنّه صحابيّ، أو هو بنفسه أخبر أنّه صحابيّ، مثل أن يقول: صحبت النبيّ صلى الله عليه وسلّم، أو: سمعتُ النبيّ صلى الله عليه وسلّم يقول كذا فيكون صحابيّاً.
فإذا قال قائل: إذا قبلتم أن يكون صحابيّاً بمجرّد خبره عن نفسه فقد قبلتم شهادته لنفسه؟
فيقال: نعم؛ نقبل شهادته لنفسه؛ لأنّ الصّحابة كلّهم عدول، والله الموفِّق).
المصدر: شرح قواعد الأصول ومعاقد الفصول، ص146.
فلو أنّ العثيمين درس قليلاً من علم المنطق لأغنى نفسَه وغيرَه عن هذا الهذر المضحك، والله المستعان!






